أبي منصور الماتريدي

569

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقد أوجب في الأموال في كل سنة « 1 » ؛ لأن أرباب الأموال قد يتقلبون في البلاد النائية رغبة في فضول اللذات ؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك . وعلى ذلك أمر الجهاد - على أن الجهاد كالذي لا بد من الأقوات - إذ في ترك ذلك خوف غلبة الأعداء ، وفيها تلف الأبدان والأديان ، والأموال ففرض على قدر ما فرض من الأقوات ؛ لما بينت من الخلل ، ثم كانت أحوال أهل السفر تكون على غير المعروف من أحوال المقيمين - في حق الرّزانة والوقار ، وحق الانبساط والنشاط - فعلى ذلك : فرائض الأمرين - نحو الجهاد - فيه أنواع : ما عدّ في غيره من اللعب ، وكذلك أمر الحج . وعلى مثل هذا يخرج رمى الجمار والرمل والسعي ونحو ذلك . فجعل ذلك في حق الأسفار سنّة ، وإن كان مثل ذلك عدّ في غير ذلك عبثا ؛ إذ قد بينا مخرج العبادات ، على ما عليه أحوال العباد بأنفسهم ، لولا العبادات ، والله أعلم . ثم جعل ذلك في أمكنة متباعدة الأطراف ؛ إذ هو بحق أمر الأسفار يجب في المعهود ؛ فجعل في النسك ، بنفسه بالذي به يقطع الأسفار ، ولا قوة إلا بالله . ووجه آخر : من المعتبرات : أن العبادات جعلت أنواعا : منها ما يبلغ القيام بحقها العام فصاعدا ، وهذه لم يجز أن يجعل وقتها ينقص عن احتمال فعلها . ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأحوال بعد سقوط اعتبار العمر من السنة . ثم لأن فعل الحج قد يمتد ذلك ، ويجاوز ، لم يجعل ذلك وقتا له ، وإنما جعل العمر ، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر ، وما تقدمه وما تأخره ، ثم في العمر أحوال ، لا تحتمل إضافتها إلى الأعوام ؛ لأن ما يضاف إلى عام

--> ( 1 ) وذلك بأن يتم على المال بيد صاحبه سنة كاملة قمرية ، فإن لم تتم فلا زكاة فيه ، إلا أن يكون بيده مال آخر بلغ نصابا قد انعقد حوله ، وكان المالان مما يضم أحدهما إلى الآخر ، فيرى بعض الفقهاء ، أن الثاني يزكى مع الأول عند تمام حول الأول ، ودليل اعتبار الحول قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول » . ويستثنى من اشتراط الحول في الأموال الزكوية : الخارج من الأرض من الغلال الزراعية ، والمعادن ، والركاز ، فتجب الزكاة في هذين النوعين ولو لم يحل الحول ؛ لقوله تعالى في الزروع : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ، ولأنها نماء بنفسها فلم يشترط فيها الحول ، إذ إنها تعود بعد ذلك إلى النقص ، بخلاف ما يشترط فيه الحول فهو مرصد للنماء . والحكمة في أن ما أرصد للنماء اعتبر له الحول ؛ ليكون إخراج الزكاة من النماء لأنه أيسر ؛ لأن الزكاة إنما وجبت مواساة ، ولم يعتبر حقيقة النماء ؛ لأنه لا ضابطه له ، ولا بد من ضابط ، فاعتبر الحول . ينظر : المغنى ( 2 / 625 ) ، الشرح الكبير للدردير ( 1 / 456 ، 457 ) .